العربية    English
         
   
 
النشرة البريدية
أدخل بريدك واشترك معنا بالنشرة البريدية
 
 
هل أنت متعاطف/ة مع الناجيات من جرائم الشرف، وتؤيد/ين إعادة ادماجهن في المجتمع ؟
كلا لا أتعاطف
نعم أتعاطف
لا أهتم
 
 
أجندة ثقافية
2017-تشرين الثاني
SMTWTFS
   1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930
تصفح فعاليات الشهر
المقالات >> مقالات ثقافية وفنية >> «وهلأ لوين؟» للّبنانية نادين لبكي في «نظرة ما» في «كانّ» الـ64 الهـزل السيـاسـي بـلا إسفـاف
بقلم: زياد الخزاعي
النص:
الحرب ليست لعبة. يعرف الجميع حجم ويلاتها. بيد أنها مع حجم كوارثها تستحيل إلى طامّة سياسية، سرعان ما يتبرّأ منها الجميع، و»يظنّون» أنها لم تكن سوى كابوس أُرغموا عليه، ضمن حسابات التصفية والثأر. لم تبتعد السينما عن فلك الحروب، تارةً كقوّة تبريرية، وتارةً أخرى كمرجل تنفيس يتهكّم على زمرها والمتورّطين فيها، الذين قدّمتهم نصوص كثيرة كعصبة ملتاثة بالولاء والدم ولعلعة الرصاص والمرجلة الذكورية. وأبلغ مقاربات السينما تلك التي مالت إلى التفكّه والكاريكاتورية الثرية للوقائع والإصرار على تغريبها. لبنانياً، كان نص زياد دويري «بيروت الغربية» مبتدأ سينمائياً، صَوّر النكتة عبر عين الصبية لتوريط الكبار من حولهم بحرب الطوائف، وحوّل الماخور عند الخطّ الفاصل إلى رحم يلمّ تأجيلاتهم لجولات المعارك العبثية. تطلّب الأمر الانتظار حتى الاثنين الماضي لمُشاهدة ولادة نص أكثر بهاءً وأعمق مراداً سياسياً من سالفه. اختراق الأصولية اختارت نادين لبكي، مخرجة «سكر بنات» (2007)، سهماً مضيئاً لتخترق قلب الأصولية التي تبرّر الحروب وفتواتها، وغلّت أكثر في انتصارها لنسوة شعبيات تنابزن بندارة عالية، كي يقلبن مفهوم التجييش الذي يصاحب فورة المقتلات، في جديدها «وهلأ لوين؟»، الذي عُرض في قسم «نظرة ما» في الدورة الحالية لمهرجان «كانّ». الأهزوجة الشعبية التي تبدأ لبكي عملها بها، تُمهّد درامياً إلى اعتبار فيلمها ليس أكثر من فودفيل ممسرح، تقع أحداثه في ضيعة جبلية نائية، يوصلها إلى الأرض الأم طريق ضيقة مزنّرة بإشارات «انتبه ألغام». ذلك أن الوطن (الخارج عن وعي القرويين) بالون يولِّد نزعات الطائفة، ويسبّق التصفية على الهوية كسلاح للتسييد السياسي. أهل الضيعة آخرون محصّنون بجغرافية سوريالية الحدود، تجعلهم مثل حيوانات مدجّنة بسبب عزلتهم. وهم بذلك أقرب الى شخصيات الفيلم الأثير لليوغوسلافي أمير كوستوريتزا «أندرغراوند»، الذين لجأوا إلى عمق الأرض للتحصّن من حرب الإيديولوجيات وانتظار انتصارات تيتو. إلى ذلك، فإن توزيع المحاصصة الطائفية جعلتهم، بحسب نص لبكي (كتبته مع جهاد حجيلي ورودني الحداد، بمشاركة الفرنسي توماس بيدغان)، أشبه بدجاج قنّ عليهم أن يأكلوا جماعة من صحن واحد، من دون تفريغه دفعة واحدة. الأهالي طينة مقسّمة إلى صلوات دينية تختلف بالطقوس، لكنها تتوجّه إلى ربّ واحد، من دون أن يمنعها غباؤها من تفضيل نفسها على الآخر بالسبّ والتجريح والتعيير، وهي تورية بليغة التفاصيل لحرب أهلية ضروس، هدّدت كيان لبنان، ودفعت أبناءه إلى تقاتل مرير، يُرعب الأحفاد اليوم من تكرارها، ويجعل الكبار غارقين في محنة القرار الغبي في عودتها.
مَنْ هم القادرون على تغيير مسار الدم والحقد؟ بحسب لبكي: إنهنّ النسوة، أمهات وزوجات وأخوات وشقيقات. هذه الأنثوية، إن جاز التعبير، عصب الفكاهة العارمة فيه. فالرقّة المحسوبة عليهنّ تتحوّل إلى مؤامرات بيضاء، تسعى إلى إبعاد الرجال عن التقاتل. الطائفية ليست في أفئدتهنّ، بل هويات موضوعة على «مشبك» اليوم والعائلة والتكافل الاجتماعي، الأمر الذي يبرّر لهنّ لاحقاً استخدام نفوذهنّ ودسائسهنّ وكيدهنّ، للإيقاع بذكورهنّ في مطب الهزل السياسي، الذي تضمنته أهزوجة مبتدأ الفيلم التي صاحبت الرقصة السوداء للمجموعة، ومازجت بحرص شديد حركاتهنّ التأويلية (رقص إيقاعي ولطم صدور) في المسيرة المنتهية في مقبرة يقسم دربٌ ترابيّ قطاع المسلمين عن المسيحيين. وعندما تتفرّق النسوة، تبقى عادة الندب متشابهة وواحدة بينهنّ وهنّ موزّعات بين القبور. وهذا مشهد استعاد ألق شبيهه في مفتتح «فولفر» (2006) للإسباني بيدرو (المظفّر) ألمودوفار، من دون تماثله معه.
تحافظ نادين لبكي، بفطنة سينمائية، على مسافة معتَبَرة لبطلاتها من الوقوع في الإسفاف. عليهن يرى مشاهدها أن القفشات التي توافرت في القسم الأول من الفيلم كانت لصالح الغمز الاجتماعي الدائر بين «النقّ» النسوي كملمح اجتماعي شعبي لضيعة ريفية، والغمز الجنسي على اعتباره مفتاحاً شخصياً يبدأ كحل للبطلة الأم المسيحية آمال (أداء غير مقنع للبكي) في إغواء الشاب المسلم، الذي تطرده لاحقاً من حياتها. لينتهي كـ»فارص مسرحي» جماعي، عندما تفلح نسوة الضيعة باستقدام راقصات أوروبيات شرقيات، يعملن في فرقة جوّالة، ويزرعهنّ في القلب الأصولي، لاستمالة الرجال إلى شبقهم، وليس إلى «بواريدهم». ترفع لبكي عيار هزلية نصّها، عندما تغنّي نسوتها بجذل عارم، وهنّ يمزجن الحشيش بعقارات الهلوسة والفياغرا. إنه مغزى لا يلين في التحامل على خطورة الفتنة الدينية، التي ترتفع حرارتها بين الرجال، كلّما وقع قدر يمسّ رموز الطائفة. بعض المقاطع صوّرته لبكي كسلسلة من المقالب، كما حدث للفتى روكوز (علي حيدر)، الذي «استعار» مكبّر صوت الكنيسة، وكسر صليبها في حادثة سقوط عفوية، فبدأت التهم المسبقة للطائفة الأخرى، التي ما فتئت أن وجّهت سهام شكوكها للأولى، حين هجم قطيع ماعز وخرّب داخل المسجد. مقاصد كبيرة إذا وضعنا تسويق «هلأ لوين؟» شعبياً، فإن أمثال هذه الوقائع المفعمة بالكوميديا تجد طريقاً سهلة إلى القلوب والأذواق. أما الضمائر (ومنهم النقّاد والصحافيون)، فإن مساحة الوقوع في عدم التريّث في قراءة مقاصده كبيرة جداً، لأن التهازل فيه قد لا يتماشى وسياسة التصفية السياسية، والتهجّم العلني الذي يسعى إليه البعض. ناهيك عن الذائقة المفتعلة، التي ترى في الكوميديا انتقاصاً وقلّة ذوق. وإذا عدنا إلى ما جرى لـ»سكر بنات»، فإن التحامل على خفّة دم نصّه لم يمنع اختراقه الأسواق العالمية، ناهيك عن المهرجانات السينمائية.
فرضت الاستعراضية في «هلأ لوين؟» نظماً درامية لا تُرتهن إلى المُقنع، معجّلة في نقل مشاهدها إلى زوايا نظر أبعد حكمة وبصيرة وشجاعة، كما حدث في حالة الوالدة المكلومة بمقتل ابنها اليافع، إثر تعرّضه إلى نار متقاتلين في الأرض الأم، وإصرارها على منع بكرها من الثأر بإطلاق الرصاص على قدمه. لن يكون السؤال مجدياً بشأن شعائرها الخاصة التي دفنت بها وليدها، أو كذبتها بمرضه. مثلها، قامت به آمال، عندما تحدث المشادة الطائفية في مقهاها فتوجّه شتائمها المباشرة إلى الجميع وتصرخ «قتلتونا». أو المشهد الديونيسوسي المفخّم، الذي يجتمع فيه شباب الطوائف ليراقصوا الأجنبيات الشقراوات على إيقاع أغنية مستشرقة مبتذلة، فيما تذهب النسوة (على طريقة الكوميديات الإيطالية الأثيرة) في سرقة «البواريد» ودفنها بعيداً عن رغبات المتحزّب الطائفي، الذي وَفَدَ إلى الضيعة إثر مقدم «الدشّ» الفضائي، ما أدّى إلى تشظّي جماعة القرويين، ورفع حظوظ اقتناص فرصة تحويلهم إلى قتلة مؤجّلين، مستخدمة تناهي أخبار الصدامات الطائفية في منطقة «وردة» إلى أسماعهم قبل ضمائرهم.
لم يعد ذلك المُقنع إلى حكاية لبكي إلاّ في المشاهد الشديدة الذكاء والمفارقة، مع اقتراب نذر الحرب، عندما اكتشف رجال الضيعة المسلمين أن نساءهم «تمسّحن» وأصبحن يقرأن القدّاس، بينما تحوّلت المسيحيات إلى سيّدات محجّبات، يصلّين الركع، ويقرأن القرآن الكريم. تصرخ إحداهنّ في وجه زوجها المصعوق، عندما سألها إلى أين هي ذاهبة مع وليدها: «للحجّ». وتراتباً على ذلك، هناك المقطع الختامي، الملتفت إلى ذكاء عنوان الفيلم، عندما يجتمع أهل القرية لدفن اليافع نسيم المسيحي، الذي «تحوّل» ضمناً وهزلياً إلى مسلم، فإذا بحاملي النعش من الطائفتين يلقون، إثر تردّدهم في معرفة مكان دفنه، بسؤالهم الجمعي في وجوه نسوتهم المتّشحات بالسواد: «هلأ لوين؟»، ولسان حالهم يسأل، بالاستعارة، متحزّبي المذهبية حول خططهم للحرب المقبلة، التي يتبرّأ اللبنانيون منها، كما بدأوا في لعن محاصصاتهم.
هل الوقت مناسب لنصّ هزلي بطعم «وهلأ لوين؟» لبنانياً؟ الظّن: نعم. الواقع: كلا. للأول، نرى أن توازن الفكاهة الصافية فيه حول رمزي حرب أهلية، يُحرّض بالضرورة على «جماعية نادرة» ضد تسترّ العداء المذهبي، أو حيل السياسي الطائفي في تمرير تخابثه. للثاني، نرى أن الهزلية فيه تعني للموتور الطائفي حجة لإثبات أن اللااحترام الطائفي الذي قد يتّهمون فيه لبكي وفيلمها، يجد صداه لدى ذمم مهووسة بهاجس بقاء حصانتها ومناطقيتها وسلاحها وديموغرافيتها، وليس إلى تكريس التضامن المذهبي، وتعميم المواطنة الحقّة، وتعزيز النخب المتنوّرة، وتحصين مؤسّسات المجتمع المدني بأطيافه كلّها وأفرقائه جميعهم.
جريدة الأخبار

 
 
 
إضافة تعليق
الرجاء التعليق بموضوعية, سوف يتم عرض التعليق بعد الموافقة عليه من قبل الإدارة
الاسم *
عنوان التعليق *
نص التعليق *
 
 
     
 
Powered By DesiGn4C 2010